
رسم خرائط الترحال عبر المكان والذاكرة والتجربة.
يتجاوز موضوع السفر مجردَ الانتقال من مكان إلى آخر؛ فتتداخل فيه عوامل الزمان، والبر والبحر والطقس، كما نرى ذلك متجليًا على الشاشات وفي الفضاءات المشتركة، فيغدو بذلك وسيلة معرفية تُشرك العقل والجسد معًا. وهو يتشكّل من الروابط التي تجمع بين الناس، ومن تداول التجارب التي تصيغ فهمنا للعالم وتعيد تشكيله.
يستلهم هذا المعرض إرثَ الرحلات التاريخية، وفي مقدمتها رحلة ابن بطوطة، ليجمع نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً، انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً، خارجياً وداخلياً في آنٍ واحد. وبهذا المعنى، يحمل السفر بُعداً معنوياً؛ إذ يغدو عبوراً تهتز خلاله الذات وتُعاد صياغتُها، وتقدم كل عتبةٍ فرصة للتجدّد. هذا وتتنوع الأعمال المختارة في هذا المعرض بين الرسم، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، والممارسات الرقمية، والمواد الأرشيفية، بما في ذلك المخطوطات النادرة. وعبر هذه الأعمال، تتجسد الحركة في المناظر الطبيعية، واللغة، والذاكرة، والتصورات الكونية، وفي صيرورة الأجساد وتحولات السرديات التاريخية. فيغدو رسم الخرائط، في هذا السياق، فعلاً حرّاً وتأويلياً، تصوغه التجربة الحيّة ويتجاوز الإحداثيات الثابتة.
يتناول المعرض فكرةَ إدراك المعرفة من خلال السفر إذ تتفاعل الأعمال الفنية مع رسم الخرائط بوصفه موضوعاً ومنهجاً في آنٍ واحد، فتفكّك بنيتَه وتحرّرها لتنتج أشكالاً مستحدثة. وتنعطف المسارات على نفسها، ويُعاد تخيّل المكان بواسطة ما يُسمّى بالخرائط الوجدانية، وهي خرائط تجمع التجربة الإنسانية الذاتية والخبرة الوجدانية. ويمتد هذا التصور إلى الخرائط الشعرية، التي تقوم على فهمٍ أسطوري ومعنوي، واستيعاب قائم على العلاقات المكانية عوضًا عن الاكتفاء بالتأويل الهندسي فقط، ليغدو السفر بذلك فعلاً تعبيرياً.
يرتّب المعرض الأعمال الفنية في سلسلة من محطات العبور، ويدعو الزائر إلى التوقف وإعادة تموضعه إزاء الأعمال وإزاء الآخرين. وبهذا، يجسّد المعرض فكرته القائلة بأن السفر سبيل إلى المعرفة، حيث تشكّل كل إيماءة، وكل صورة، وكل شذرة أرشيفية إحداثيةً في خريطةٍ للوعي تتّسع باستمرار، كما تغدو الحركة عبر المكان فعلاً معرفيًا، تتحول به الرحلة الخارجية إلى رحلةٍ داخلية تقود إلى إدراكٍ أوسع وفهمٍ أعمق.